الوهم الممتـدُّ ..والشـعارات المتساقطة!

كتبهامحمد اليمني ، في 30 مايو 2007 الساعة: 15:06 م

إنَّ الأحداث المحزنة التي وقعت في غزة خلال الأسبوعين الماضيين، والاقتتال بين حماس وفتح قتالاً عنيفاً، وتبادل الاتهامات في وسائل الإعلام، واستفزاز كل فريقٍ للآخر، ممَّا أدَّى إلى سقوط كثير من الضحايا، وفتح المجال لإسرائيل أن تستفيد من ذلك فائدة كبيرة! فساهمت في قتل الفلسطينيين بطائراتها وصواريخها، وأضرَّ ذلك كلّه بقضية الإسلام وقضية فلسطين ضرراً كبيراً. وكأنَّ جميع الأحداث السابقة لم تكن كافية لتقدم للطرفين الموعظة والعبرة!

لا شكَّ أنَّ "اتفاق مكة" أوقف القتال الدائر بين الفلسطينيين أنفسهم في صراع ملتهب جنونيّ على السلطة، على الحكومة، على الدولة، على شيء ما، سمِّه أنتَ ما شئتَ، ولكنني أُسمِّيه "الوهم الممتدّ، والشعارات المتساقطة"!

إن التنافس بين الفلسطينيين دفع الأمور إلى أن تتجه إلى صراع بين الشعارات حين لا يُبْحث عن نهج ولا خطة، وسرعان ما تتغير الأهداف و يُطوى شعار التحرير، و كأنَّما التنافس هو بين شعارات لا يُرجى منها إلا اكتساب تأييد الجماهير وحشد الأنصار لتلك الشعارات! ثمَّ الصراع والاقتتال!

ولذلك لم يكن عجيباً أن يوقف اتفاق مكة نزيف الدم الفلسطيني، بعد أن أدرك الجميع خطورة ما كان فيه الفلسطينيون من فتنة كبيرة لا تُحمد عقباها.

ولكن هل يُغيّر اتفاق مكة ما تخفيه الصدور، ويعيد القلوب إلى خشية الله والتوبة الصادقة!

لقد كشفت الأحداث الأخيرة والسابقة ألواناً متعددة من نواحي الخلل في واقع المسلمين. ولا نستطيع هنا أن نعرض ذلك كله، ولكن يجب الإشارة على الأقل إلى نقاط سريعة. فقد اندفعت الأحداث كي يموت فيها التناصح فلا يقبل هذا النصيحة ولا يقبلها ذاك، وتثور العصبيات والأهواء في لهيب متفجّر، مما نراه في أكثر من موقع في العالم الإسلامي!

والأمر الأخطر هو أن التنافس دفع الصراع إلى أن يتجه إلى مواقف غير شرعية لا ترضي الله سبحانه وتعالى، ولا تُرَاعى فيها حُرْمة دم المسلم ولا حرمة عرضه أو ماله، وقد يسقط بعضهم في وحول الكذب!

فمن أين يأتي النصر في هذه الأجواء؟! وما هي الأيدي الخفيَّة التي تحرّك الأحداث وتدفعها إلى هذه الأجواء المظلمة؟!

أما بالنسبة للدول الأخرى الكبرى، وبالنسبة لإسرائيل، فقد تبيّن لنا بعض ملامح أساليبهم، فهي لا تنظر إلى قضية فلسطين كقضية مستقلة معزولة عن سائر قضايا منطقة الشرق الأوسط أو قضايا العالم اليوم وأمس وغداً. إنها تضع خطتها ونهجها وسياستها لجميع القضايا على ترابطها في ميدان المطامع والجشع، وعلى تفرد كل قضية بخصائصها المتميزة، خطة ونهج يجمعان الحالتين في آن واحد.

ونحن المسلمين نرفع دويَّ شعاراتنا لكل قضية منعزلة عن سائر القضايا، كلُّ قضية يُشْغَلُ أهلها بها وحدهم، وربما وجدوا بعض العواطف من هنا وهناك. ولكن في جميع قضايا المنطقة لا يوجد لدى أبنائها وأصحابها نهج مدروس أو خطة محدّدة، فحسبهم الشعارات، ولا يوجد نهج واحد جامع، ولا هدف واحد يتجمعون كلُّهم إليه.

الدول الكبرى تملك القوّة المادّية الحقيقية، قوة السلاح المدمّر، قوة الأجهزة المتعدّدة المتشابكة، قوة المؤسسات، قوة العلم المادي والصناعي، يُضاف إلى ذلك ما لديهم من عملاء ارتموا في أحضانهم، كما تجد في أفغانستان والعراق وفلسطين عملاء من أناس فقدوا الثقة بأمتهم، وفقدوا قبل ذلك إيمانهم بربّهم وخالقهم الله الذي لا إله إلا هو.

ولقد انتشر في الآونة الأخيرة تعبيرات ومصطلحات لا ندري كيف هبطت علينا دويّاً إعلاميّاً هادراً. ولعل من أبرزها: "احترام الآخر" ، أو "الاعتراف بالآخر"، دون أن ندري من هو الآخر، إلاّ أن الحق الذي يجب أن يكون هو أن يعترف الآخر بنا، ويحترمنا الآخر، فنحن المعزولون الذين لا يُعْترف بنا ولا بحقوقنا ولا بهويّتنا التي تنازلنا عنها طواعية. وقِسْ على ذلك سائر المصطلحات التي لا مجال لمعالجتها في هذه العجالة كالديموقراطية، والعلمانية، والعولمة، والمرأة وغير ذلك!

الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا ازدادت جرأة في الدعوة إلى ما تزعمه من ديموقراطية كاذبة وعلمانية باطلة وعولمة قاتلة. ازدادت جرأة في دعوة المسلمين إلى باطلها، فاخترقوا صفوف المسلمين الممزَّقة، يدعون ويجهرون ويُلحِّون، ويضعون من أجل ذلك إمكانات ضخمة، إمكانات إعلامية، وماليَّة، وعلمية، وبشريَّة، وعسكرية، ثمَّ يُزيّنون ذلك كله بزخرف كاذب، ووعود كاذبة، ومكر وخداع قد سقط فيه الكثيرون. ومن أبرز مظاهر وسائلهم وأساليبهم ثلاثة أمور:

أولاً: أنهم يسيرون خطوة خطوة يتبعون بها الشيطان وخطواته، وقد نهى الله المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور:21]

وثانياً: أنهم لا يتعجّلون ولا يضجّون ولا يُغرقون أنفسهم بالشعارات، ولكنَّ عملهم هادئ صامت، يصبرون ويتربّصون ويكيدون.

 

وثالثاً: أنهم يفكرون تفكير الشياطين، ويخططون تخطيطاً مادياً معزولاً عن الإيمان والدار الآخرة، ويمضون على نهج مدروس لديهم، إلاّ أنه معزول عن نور الإيمان وهداية الرحمن. فيكسبون جولات على قَدَرٍ من الله وسُنن لله ماضية وحكمه بالغة، حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر!

أما نحن فقد منعنا التفكير عن أنفسنا، وإن فكرنا فنفكِّر مثل تفكيرهم المادي، لنؤمّن مصالح للدنيا. وقلَّما نلجأ إلى الله لجوءاً حقيقياً مستكملاً شروطه الإيمانية الربانية، لنفكّر تفكيراً إيمانياً! ولكنَّ تفكيرنا المشَتَّت المضطرب مزّقنا، وادّعاءَنا الإسلام دون الالتزام فرَّقنا!

ومن هنا نستطيع أن نتلمس أهم آثار تخطيط الشياطين ومكرهم في واقع المسلمين اليوم، مما يمكن إيجازه بنقاط سريعة واضحة صريحة:

1. أثاروا الفتن والأحزاب والأحقاد في كل بلد إسلامي، ثمَّ حرَّكوا هذه القوى ليقاتل المسلمون بعضهم بعضاً، والأعداء ينظرون فرحين. انظر ماذا يحدث في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ودارفور وأندونسيا وغيرها. لم ينجحوا بذلك لبراعتهم فقط، ولكن لهواننا وضعفنا وضعف التزامنا بأمر الله.

2. مزّقوا العالم الإسلاميّ إرباً إرباً بعد سقوط الخلافة الإسلامية، ولم يجدوا صعوبة في تمزيقنا، وربما وجدوا من بعض المسلمين إقبالاً وتأييداً.

 

3. أثاروا جميع أنواع العصبيات الجاهلية بالمكر والإغراءات وشراء النفوس والإعلام، وأثاروا العصبيات العائلية وألقوا بين المسلمين ما يتنافسون عليه ويتخاصمون، وأشغلوهم بما يصرفهم عن قضاياهم الرئيسة.

وقِسْ على ذلك سائر العصبيات. وقد نجحت خططهم في جميع البلدان التي مكروا بها، ثمَّ امتدَّ مكرهم هذا إلى بلدان أخرى، ومازالوا ماضين يُثيرون كلَّ غرائز الحقد والتحاسد وحب الدنيا حتى جعلوا المسلمين يلهثون وراءها، فما وجدوا إلاّ سراباً بعده سراب!

لقد أصبحوا وكأنهم هم يديرون قضايا العالم الإسلامي، ويظنُّ بعضُنا أنه هو الذي يدير دون أن يشعر أنه يُدار. ويُسَرّ بعضنا بظهوره على الفضائيات وإلقاء الخطب النارية والشعارات الحماسية، ويُخْدَعون بكثير من أسباب الزخرف الذي يُلْقى إليهم، ثمَّ يكتشفون الحقيقة بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم!

بمراجعة تاريخ القرنين الأخيرين نلاحظ بوضوح أن الأخطار على العالم الإسلامي آخذة بالازدياد، وأن الغزو يشتدُّ وتتنوّع أساليبه، وأنَّ الوهن في العالم الإسلامي يشتدُّ أيضاً، وأشدّ مظاهر الوهن هو تكوُّن جماهير ارتبطت قلوبها بالغرب وفكره وأدبه وعاداته وتقاليده ولغته، حتى أصبح الملايين من المسلمين لا يعرفون لغة قرآنهم، فهم لا يقرؤونه، وأصبحوا لا يشعرون بضرورة دراسة العربية وتدبّر القرآن والسنَّة باللغة التي جاءا بها من عند الله ورسوله. بل أصبحنا نحن نشجعهم على ذلك، ونقدم لهم التسهيلات ليبقوا على لغتهم، نترجم لهم معاني القرآن الكريم، وخطب الجمعة، والسنَّة، ولا بأس في ذلك كخطوة أولى، ولكننا لا نعرّفهم بوجوب دراسة اللغة العربية التي أصبحت منذ نزول الوحي بها لغةَ الإسلام والمسلمين، ولغة الإيمان والتوحيد، ولم تعد لغة شعب محدود. إنها أصبحت لغة الإنسان؛ لأنَّ القرآن جاء للعالمين.

ونلاحظ كذلك أن التخطيط لزيادة تمزيق العالم الإسلامي يزداد قوّة وشراسة، وأنَّ التخطيط لإثارة جميع القوى المناهضة للكتاب والسنَّة ما زال مستمرّاً، وأنَّ من المسلمين من يقع في شرك هؤلاء وهؤلاء.

ويمكن أن نحدّد مصادر الخطر اليوم على العالم الإسلامي بالنقاط التالية:

1. إسرائيل ومخططاتها التوسعية ما عُلِمَ منها وما خفي.

 

2. العالم الغربي الذي ما زال يمدُّ أطماعَه ومكرَه وزحفَه، وتمتد خططه ومكره.

3. الذين يحملون شعار الإسلام، ولا يؤمنون بالكتاب والسنَّة كما نزل بها الوحي الكريم، ويحاربون الإسلام سراً وعلانية.

4. القوى المنافقة في قلب العالم الإسلامي، على تعدّد أشكالها وتنوّع ولاءاتها واختلاف وسائلها.

5. ضعف العالم الإسلامي أو معظمه من حيث الإعدادُ والنموّ العمليِّ والصناعيّ. لقد اهتم الكثيرون بالأخذ عن الغرب أشكال الملابس وزينتها ونماذجها، والأغاني والرقص، والتفلّت الجنسي تحت شعار الحريّة، وشعر التفعيلة والنثر، والحداثة ومذاهبها، ولم يحرص هؤلاء على أخذ العلم الحقيقي والصناعة وأسباب القوّة لأمتهم، وإنما أحضروا، وحملوا كل ما يوهن الأمة ويُمزِّقها.

 

من هذا العرض الموجز السريع، ومن خلال هذا البحر المتلاطم من الأخطار، نعود إلى قضية فلسطين وواقعها اليوم.

إنَّ جميع الآمال والأحلام التي حملناها خلال أكثر من ثمانين عاماً تلاشت أو كأنَّها تتلاشى. فبعد أن كانت القضية قضية الأمة المسلمة، أصبحت من خلال مخططات إجرامية قضية الشعب الفلسطيني وحده، ليواجه أقوى دولة في المنطقة وحده، ليواجه الدولة التي تراجعت كل الدول العربية عن مواجهتها، بل إنَّ بعضهم ارتبط معها بتبادل التمثيل السياسي، وبعضهم الآخر يبدو أنه على الطريق، وليواجه الواقع الدولي الذي يقف صفاً متراصاً لحماية دولة اليهود.

 

في الوقت الذي كان فيه دويّ شعاراتنا وضجيجها على أشدّه حماسة وتهديداً ووعيداً لإسرائيل، كانت إسرائيل تعمل بهدوء في مخططاتها، حتى امتدَّ نفوذها على جزء كبير من العالم الإسلامي، دون ضجيج ولا صراخ، وامتدت مساحتها في فلسطين كذلك.

ودولة اليهود حسب مقررات هيئة الأمم المتحدة كانت مساحتها تقريباً 60% من أرض فلسطين، أما المساحة المقررة للفلسطينيين 40%. هذا كان سنة 1947م في قرار التقسيم. أما اليوم ، فمساحة دولة اليهود تزيد عن 90% من أرض فلسطين، ومساحة الأرض التي يُزْعَم أنها ستقوم عليها دولة للفلسطينيين هي بحدود 9-10% من أرض فلسطين، هذا بعد قيام ثلاث انتفاضات، تولى الإعلام العربي وغير العربي تغذيتها، وجميعهم يعلم أنه لا قدرة للفلسطينيين على إزالة دولة إسرائيل، كما كان شعار جميع الفصائل، وصفَّق الناس وهاجوا وماجوا لتلك الشعارات، وعُقدت الندوات والمؤتمرات وامتلأت الصحف، وضجَّت المهرجانات، ودارت الأناشيد، وجُمعت مليارات الدولارات، وطاف الناس هنا وهناك في حماسة عالية. ولكن لم يسأل أحد من الفلسطينيين ولا من الفصائل، ولا من الأحزاب، ولا من العرب، ولا من المسلمين، لم يسأل أحد أبداً: يا قوم هذا شعاركم فما هي خطتكم لتحقيقه؟!

ثمًَّ بدأ التنازل شيئاً فشيئاً عن الشعارات: فكانت المطالبة بدولة عند حدود سنة 1967م. ثمّ جاءت المطالبة بحكومة وحدة وطنية بعد أن لم تستطع الحكومة القائمة تحقيق أيّ شيء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية واختفى شعار الإسلام، وحلَّ محله شعار الديموقراطية والانتخابات التي شغلت الناس وصرفتهم عن قضيّتهم، وأثارت الفتنة بينهم، وأشعلت القتال بينهم بعد ذلك، ودفع هذا الشعب الفلسطيني الذي صفّق طويلاً لهؤلاء ثمَّ لهؤلاء، ثمناً غالياً من الجوع والحرمان والحصار الدولي المدمر، والتقتيل والتدمير والسجون!

ثمَّ بدأت مرحلة: دولة الوحدة. وتوزّع الناسُ يطوفون الأرض يتوسّلون إلى الدول من أجل الاعتراف بدولة الوحدة الوطنية التي لم تتكوّن بعد، ورفعِ الحصار عن الشعب الذي لم تعُدْ سواعِدُه ولا أكفّه ولا حناجره قادرةً على الهتاف والتصفيق، فحسبه أن يَسْكُبَ الدموع على قتلاه وضحاياه وعلى أطفاله، وعلى جوعه، وعلى مزارعه وبساتينه وثرواته!

لا بدَّ من وقفة صريحة هنا. لقد حدث تحوُّل كبير في الشعارات، وخاصة في وسائل الإعلام، حيث يظهر الدعاة المسلمون، وقد اختفت مصطلحات الإسلام عن ألسنتهم، وحلّت مصطلحات الديموقراطية والعلمانية وأمثالها، و أصبح الجميع ديموقراطيين. ألم يكف أن يقول داعية كبير في مقال له كبير: "نحن مع الديموقراطية بجميع أشكالها ومعانيها". لقد قالوا قبل ذلك مثل هذا عن الاشتراكية وتغنُّوا بها، فما نالوا خيراً منها ولا من أربابها. واليوم، مهما تغنُّوا بالديموقراطية فلن ينالوا منها ولا من أربابها خيراً، إلاّ زيادة المكر والكيد والكبر والإذلال والتدمير والعدوان. كان الشعار: "فلسطين ملك للمسلمين ومسؤولية المسلمين جميعاً"، ثمَّ اختفى هذا الشعار وحُصرت القضية بالفلسطينيين.

 

هذه الدولة التي يصارعون من أجلها، ويتصارعون من أجلها، ويَقْتُلون أنفسهم من أجلها، هذه الدولة على رُقْعة لا تزيد عن10% من مساحة أرض فلسطين، لا يوجد فيها أيُّ مقوّمات اقتصادية أو علمية أو فنية أو عسكرية لتقيم دولة، ولا حدود لها!

إنها فتنة وباب إشغال للمسلمين حتى يتابعوا تراجعهم وتنازلهم، ثمَّ لا ينالوا شيئاً إلاّ الإذلال والمهانة والهوان والضياع.

 

إنَّ إسرائيل، حتى لو قامت الدولة، تستطيع أن تدخل إلى أيّ بقعة منها، فتدمّر وتقتل، وتعتقل، ولا أحد في الأرض كلها يصدُّها عن ذلك إلاّ الشكوى تِلو الشكوى للمجتمع الدولي الذي سُكِّرتْ أبصاره وسُدَّت آذانه!

لقد اتجهت الأحداث أو وجّهت لتجعل أهل غزة والضفة، في واقعهم الحالي، لا يستطيعون الاستغناء عن إسرائيل والمجتمع الدولي، وفترة الحصار هذه أكبر دليل على ذلك. فالماء والكهرباء لا يأتي للقطاع إلاّ من إسرائيل. وكثيرون يحصلون على رزقهم من العمل في إسرائيل.

جميع الظروف لا تسمح لهذه الدولة المزعومة بأن يكون لها الكيان الحقيقي بالمفهوم الحقيقي للدولة. إلاّ أنها تسمح للوزراء والرؤساء أن يركبوا السيارات ويتمتعوا بالألقاب، وبالسفر والمقابلات، والظهور على الفضائيات والصحف، وإعطاء التصريحات والحوارات، والانشغال بهذه الأمور وأمثالها. دون أي نتيجة إلاّ الاستدراج لتنازل بعد تنازل، ثمَّ الاقتتال والصّراع!

لقد وضح أن الطاقة المالية هي من الدول المانحة ومن إسرائيل. ففي أيّ لحظة يمكن أن توقف هذه المعونات، فيقاسي الفلسطينيون أشدّ أنواع المعاناة والإذلال.

وهنا يثور سؤال مهم: إذا كان هذا هو الحال في اللحظات الراهنة، فكيف سيكون حين يعود اللاجئون أو بعضهم، وحين يزداد السكان بشكل أو بآخر، وحين تقلُّ الموارد الذاتية والإمكانات؟!

هل هناك دراسات إيمانية حول هذه القضايا وأمثالها؟! هل هنالك خطط لمجابهة المستقبل؟!

هذه الأمور الواضحة الجليَّة ألم يُفكِّر بها أحد من الفلسطينيين؟! ألم يشعروا بما قدّموا من تضحيات ثمَّ لم ينالوا شيئاً، إلاّ أن تتقاذفهم السياسة الدولية يرمونهم حيناً يساراً وحيناً آخر يميناً، وحيناً هنا وحيناً هناك؟!

هذه اللحظات الحالية تمثّل لحظات التناقض والاضطراب في المواقف والتصريحات، وتمثّل لحظات الحَيَرة والارتباك، ومحاولة ستر العورات بوسائل متعدّدة بعد أن كُشِفت عوراتنا كلُّها، محاولة سَتْرها عن المسلمين أنفسهم، أما الأعداء فعوراتنا مكشوفة كلها لهم. إننا نخدع أنفسنا وحدنا، ونخدع الشعب والجماهير!

إن تجربة ثمانين عاماً من تاريخ قضية فلسطين لم نستفد منها شيئاً، فالوعود الكاذبة التي أُعطيت لنا قبل أكثر من ثمانين عاماً، والتي خُدِعنا بها وخسرنا بتصديقنا لها الشيء الكثير، فما زالت الوعود الكاذبة تُعطى لنا، وما زلنا نُخْدَعُ بها، وما زلنا نلهث وراءها، نسْتجدي من روسيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا وغيرها نظرة العطف وكلمة الإشفاق، وحتى الاعتراف بنا وبوجودنا ونحن نغرق في المصائب المتتالية وفي وحولها .

 

لقد تخلى الكثيرون عن إسلامهم وإيمانهم، ولم يعودوا يثقون بالله وبأن النصر من عنده فحسب، وجرى الكثيرون يلهثون يستجدون النصر من أوثان وأوهام، فينالون الصدمة بعد الصدمة، والإذلال بعد الإذلال، والهزائم بعد الهزائم.

 

مع ضخامة التجارب الحقيقية في الميدان، ومع وجود كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم بين أيدينا، ومع كثرة المؤتمرات والندوات والمهرجانات وما فيها من شعارات وصراخ، مع ذلك كله لم نتعظ، ولم نصحُ، ولم نعدْ تائبين إلى الله خاشعين بين يديه، فما زلنا ننحرف عن الإسلام بالتصريحات والفتاوى والمواقف، بالارتجال وعدم الرويّة، بحبّ إثبات الذات في الساحة، ولو على حساب الدين والأمة، حتى وضح أن الكثيرين يطلبون الدنيا لا الآخرة، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، خلاف ما يأمر به الله سبحانه وتعالى. ما زلنا ندويّ بالشعارات ونبتعد عن النهج والتخطيط والدراسات الإيمانية، وما زالت الشعارات تتساقط، وما زلنا في أوهام تمتدُّ، لم نستطيع أن نجعل شيئاً منها حقيقة!

لم ندرك، بالرغم من كثرة التجارب وجلاء الآيات، أننا كلما تنازلنا عن إيماننا وديننا وجاملنا الأعداء بِتَبنِّي مبادئهم حتى يرضوا عنا، كلما فعلنا ذلك زاد الأعداء من إذلالنا. فممالأة الأعداء ومراءاتهم وموالاتهم لم تعطنا أيَّ احترام لنا لديهم ولا أيَّ وفاء لوعود، ولا أيَّ توقُّف عن إذلالنا. كلّما جاملنا زاد إجرامهم بنا، والأمثلة كثيرة في التاريخ.

 

لا يوجد لدى المسلمين اليوم رؤية واحدة يجتمعون عليها، ولا هدف واحد يؤمنون به ويجاهدون من أجله، ولا يمثلون اليوم أمة مسلمة واحدة، صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، كما يريدها الله سبحانه وتعالى ويحبّه ويأمر به.

إنَّ جميع انحرافاتنا ومخالفاتنا لأمر الله تتجمع كلها في قضية واحدة رئيسة هي تمزُّقنا وتفرُّقنا شيعاً وأحزاباً مما يستوجب عقوبة شديدة من الله وعذاباً عظيماً كما نذوق بعضَه اليوم:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:105]

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:30-32].

وكذلك:

(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [الأنعام:159].

 

إن الأخطار على العالم الإسلامي كله آخذة بالامتداد والازدياد، وليس أمام المسلمين إلاّ أن يعودوا إلى الله عودة صدق والتزام، وتوبة وإنابة، ثمَّ يلتقون صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص يحملون رسالة الله كما أُنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم يبلّغونها إلى الناس كافّة، بعمل ممتد لا يتوقف. فإذا توقّف المسلمون عن حمل دعوتهم هذه، فإنَّ المجرمين في الأرض يبادرون إلى دعوة المسلمين إلى ضلالهم وفسادهم، ويلحّون بذلك. فإمَّا يقظة وعودة والتزام، وإما هلاك محتم وعذاب من عند الله عظيم.

 

وحتى يلتقي المسلمون أمة واحدة فلا بدَّ من منهج صادق نابع من الكتاب والسنّة، وقواعد الإيمان والتوحيد، ومدرسة النبوّة الخاتمة، مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، منهج لا يقوم على الأوهام المخدّرة ولا على الشعارات الطائرة المتساقطة والزخارف المغرية، وإنما يقوم على قواعد صدق تعالج واقعنا المؤلم المتدهور، منهج ونهجٍ تلتقي عليه القلوب والعزائم.

 

وأساس هذا النهج هو منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربية ـ يصاحبه المسلم صحبة منهجية صحبة عمر وحياة، كلٌّ قدر وسعه الصادق، لا وسعه الكاذب. إنه "نهج مدرسة لقاء المؤمنين وبناء الجيل المؤمن ومناهجها"، يُعرض في كتب توجزه وكتب تفصِّله.

لذلك، فقد فاجأتنا الأحداث الأخيرة في غزة بالاقتتال الدائر بين حماس وفتح، الاقتتال الذي استمرَّ أكثر من أسبوع سقط فيه عديد من القتلى والجرحى. وفاجأتنا بهدنة بعد هدنة لإيقاف القتال، لا تستمرّ إلاّ للحظات ثمَّ يستأنف القتال.

 

أول سؤال نطرحه على الطرفين: ما هو النهج والخطة التي وضعتموها منذ اللحظة الأولى التي انطلقتْ فيها شعاراتكم كلُّها لتحقيق شعاراتكم؟! هل كان هنالك خطّة مدروسة واعية للواقع المحلّي والدولي لتحقيق الأهداف المعلنة؟!

والسؤال الثاني: أين اختفت تلك الشعارات كلها؟!

والسؤال الثالث: شعار الدم الفلسطيني حرام! كيف جعلتموه حراماً ثمَّ حلّلتموه؟!

والسؤال الرابع: هل حقّاً تقاتلون في سبيل الله ملتزمين جميع الشروط الشرعية لمعنى في سبيل الله؟! وهل تريدون الدنيا وزهوتها أم الدار الآخرة؟ والله يعلم ما في القلوب.

والسؤال الخامس: كيف أحللتم نقض اتفاق مكة؟! أم أنه كان اتفاقاً لم يغيّر ما تضمره النفوس وتخفيه؟!

والسؤال السادس: أين الخلل؟! ومتى بدأ؟! وهل تورّطتم في مخالفة منهاج الله؟!

ارجعوا جميعكم فرداً فرداً إلى أنفسكم وحاسبوها حساباً شديداً، فالحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، والدار الآخرة دار حساب وجزاء. فإذا خرج الإنسان من هذه الدنيا لن يجد فسحة لمراجعة نفسه وإصلاحها، لا مجال للتوبة!

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

 

[المؤمنون: 99-100]

إنَّ الذي حدث في أرض فلسطين أمر مروّع، مخيّب للآمال، فاجعة قاسية، كأنَّ الناس فقدوا إيمانهم ووعيهم، وتملكتهم العصبية الجاهلية القاتلة المحرّمة تحت شعارات الوطنية والديموقراطية وغيرها، وقست القلوب، ونُزِعَت الرحمة، وجال الشيطان في الساحة وفي النفوس يزيّن الباطل ويشوّه الحقّ، ويقطع الحبال والصّلات!

هل الخلل فينا قديم، ثمَّ أخذ ينمو مع الأيام حتى اتسع الانحراف، فغاب التناصح، وغاب التزام منهاج الله التزام نيّة وعزيمة وعلم، وغاب النهج والتخطيط وغلبت الشعارات وضجيجها، وبُحَّت بها الحناجر! إنه انحراف واسع عن نهج الإيمان والتوحيد ومنهاج الله! لا بدَّ من وقفة ويقظة ومحاسبة للنفس وتقويم للمسيرة! إلى أين تسيرون؟! وإلى أين تتجه الأحداث؟!

 

وإننا نُقدِّم هذا النهج بتفصيلاته ودراساته المفصّلة والموجزة، نقدّمه ونعرْضُه لكلٍّ مسلم ومسلمة، وكل حركة إسلامية، وكل جماعة ومجتمع، وكل من يريد الدار الآخرة ورضوان الله والجنَّة، ويجعل الدنيا ميدان جهاد ومجاهدة على صراط مستقيم إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الدار الآخرة ورضوان الله والجنة ـ، حتى يكون للمسلمين في الأرض منهج للبناء واحد ونهج واحد، كما كانوا أيام محمد صلى الله عليه وسلم ، فيُبْنى بذلك جيلٌ مؤمن واحد في إيمانه وفكره وتصوّراته وفهمه للواقع، وفي أهدافه المحددة، ووسائله المحددة التي يمكن أن تتطور وتنمو مع الممارسة ومجابهة الأحداث المتجددة، في جوّ صادق من التعاون:

 

(…… وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة:2]

"يجب أن نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما أذن الله لنا الاختلاف فيه".

ولا يمكن أن يقوم التعاون الصادق إلاّ إذا تحققت فينا نحن المسلمين أخوة الإيمان كما أمر الله سبحانه وتعالى:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

[الحجرات: 10]

ولا تتحقق أخوّة الإيمان إلاّ إذا اتجهت القلوب كلها إلى الدار الآخرة وآثرتها على الحياة الدنيا، وصدقتْ إيمانها بالله وكتبه وملائكته ورسله، وتابت بين يديه وأنابت إليه:

(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الزمر: 54-55]

ولا تصدق الإنابة ولا يصْدق الإسلام لله إلاّ إذا كان العهد الأول هو مع الله، والولاء الأول هو لله، والحب الأكبر هو لله ورسوله:

(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 19-22].

وكذلك:

(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [المؤمنون : 57-62].

وكذلك:

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل:91-92].

 

وحتى يتحقق هذا في واقع الحياة لا بدَّ من نهج واع وخطة مدروسة يحملها الجيل المؤمن الرباني، لينبع النهج والخطة من منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربية ـ، ومن قواعد الإيمان والتوحيد، ومن مدرسة النبوّة الخاتمة، مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا علم الله صدق القلوب والعزائم، وصدق الولاء الأول لله والعهد الأول مع الله والحب الأكبر لله ولرسوله، وصدق أخوة الإيمان، وصدق الإنابة والخشية والخشوع، وصدق البذل والجهاد في سبيل الله صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، أنزل نصره وأعزَّ أمته!

هذا هو أمر الله أيها المسلمون! فإما هذا وإما الهلاك! ومن أجل ذلك نقدِّم النهج الذي أَشرنا إليه، عسى أن تنجح العزائم المؤمنة المتعاونة في بناء الجيل المؤمن، وفي تحقيق لقاء المؤمنين، وبناء الأمة المسلمة الواحدة. وبغير ذلك ستثور العصبيات الجاهليَّة لتمزّق المسلمين.

 

وإذا كانت حركة فتح "علمانية"، وحماس تعرف ذلك كما أوضحته في ميثاقها الأول، ودعت نفسها وفتحاً إلى الالتقاء على مبادئ جاهلية:

أخاك أخــاك إنَّ من لا أخا له كـساع إلى الهيـجا بغير سلاح

ولم تدعُ نفسها وفتحاً إلى قوله سبحانه وتعالى:

(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). [التوبة: 24]

ومضت السنون ولم تجد فتح العلمانيَّة من يدعوها إلى الإسلام والالتزام به. فلو دُعِيَتْ فتح إلى ذلك، وهذا واجب شرعي، فربَّما استجابت لذلك!

 

ولكنَّ حماساً نفسها رفعت الشعارات الوطنية والإقليمية الفلسطينية والديموقراطية حتى كادت تختفي شعارات الإسلام. وأراد الجميع أن يحلُّوا قضيّة فلسطين على أساس فلسطيني، يتحمّل الفلسطينيون وحدهم مجابهة إسرائيل والواقع الدولي الداعم لإسرائيل. وانعزل العرب والمسلمون عمليَّاً عن القضيَّة.

ولو أنَّ المبدأ الذي رُفع هو الإسلام بكلِّ شروطه ومبادئه ومعانيه، ومدَّت حماس يدها إلى المؤمنين في الأرض، ليكونوا كلهم صفّاً واحداً يلجأ إلى الله مخلصين له الدين، يسألونه العون والمدد، لو تمَّ ذلك فربّما تغيّرت الأوضاع.

 

ومع هذه المفاجآت المؤلمة المحزنة، نظلُّ ندعو الجميع إلى نهج مدرسة لقاء المؤمنين وبناء الجيل المؤمن ومناهجها، إلى منهاج الله، إلى العودة إلى الله والتوبة واللجوء إليه! ندعو إلى ذلك بكل صدق ونصح وإخلاص، ونمضي على ذلك حتى نلقى الله عليه، لا نبدّل ديننا بديموقراطية ولا فلسطينية ولا أي معنى من هذه المعاني!

وأخيراً عسى أن يقف كلُّ فريق مع نفسه ويُقوِّم مسيرته على ميزان ربّاني قبل أن يلقى الله على ما هو عليه، فيخسر الدنيا والآخرة:

(…… وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

 

د. عدنان النحوي    

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر