الفُل .. لا يكتمل الفرح إلا به

كتبهامحمد اليمني ، في 27 يوليو 2008 الساعة: 10:04 ص

 

  117514

قيل للفل كيف أصبحت فلاً             مدّ سجادة الصلاة فصلّى

قالها شاعر عراقي عايَشَ المجتمع التهامي وتأمل مفرداته فوجد الفل ركناً لا يتجزأ من أركان هذه الحياة البسيطة في تهامة ، وغيره كُثُر قد لاحظوا للفل حضوراً خلاقاً في تهامة ، ففيها يزرع بشكل كبير وتحفل به العامة من رجال ونساء بشكل أكبر ، فالفل زهرة ولا كأية زهرة فيها ، فهو عطر الصلاة التي تبعثها كل صباح إلى باسط سهلها ومانحه نسائم الخير ونفحات البركة ، أحبته فبعثته إلى الله رسالة شكر وامتنان.

ونحن نريد هنا أن نتهجّى حروف هذه الرسالة ونقرأها علنا ندرك أسرارها ونحظى ــ إن أمعنا التأمل في جمالها وأسلوبها البديع ــ بمدخل صدق يدخلنا إلى عالم الحب وملكوت الجمال لنلتمس عبقاً من عطره المقدس فعسى ذلك أن يكون .

التسمية

تتعدد التسميات في تهامة حيث يسمى بالفل كتسمية رمزية توافق التسمية العربية لهذه الزهرة وتسمى في بعض المناطق وهي الجنوبية من تهامة باسم (( الزهر )) ، أما في شمال تهامة فيطلق عليه (( القريشي )) وهي ثلاث تسميات لمسمى واحد هو تلك الزهرة التي أصبحت الوجه الآخر لتهامة كما يرى أحد الشعراء العرب .

وتسمى عملية تشكيل الفل إلى أشكال جمالية بـ (( النظم )) وهو مصطلح استعير من عالم الجواهر والحلي حيث تنظم عقوداً ، وقد شاع هذا المصطلح عند المتعلمات من النساء وخاصة في المدن ، ولكن الكلمة التي كانت تستخدم قديماً هي (( الشك )) وهي مفردة جاءت من صميم اللغة العربية وتحمل الدلالة الأقرب إلى عملية تشكيل الفل ، فالشك في اللغة هو التصاق الشيء بعضه ببعض واتصاله ، وهي مفردة لم تعد تستخدم بهذا المدلول إلا عند ” أهل زمان ” كما يعبر جيل الحاضر .

وهذه المفردة ــ أي الشك ــ نجدها ترد في أغنية صنعانية مشهورة كتبها عبدالرحمن الآنسي وغناها الفنان الكبير علي بن علي الآنسي يقول في مطلعها :

يا شاري البرق من تهامة      رويدك اللمع والخنوق

حليت قتل الشجي ظُلامه       في ذمتك قلبه المشوق

إلى أن يقول في أحد مقاطعها :

ومن سمر بالكثيب الأعفر          بعدي على ساري القمر

ومن شكّ زهره ومن تمشقر      ورصّفه ساعة السحر 

حيث نلاحظ هنا أن الشاعر استخدم مفردة الشك وهو استخدام يؤصل للمفردة تأصيلاً مرجعياً ، وكذلك مجيئها في سياق واحد مع مفردة (( زهر )) التي تعد إحدى مسميات الفل في تهامة ، وهذا التأصيل المرجعي يأتي من كون الشاعر قضى فترة من حياته في سهل تهامة فكان لمفردات اللهجة التهامية حضور في شعره يدركه القارئ إدراكاً جلياً في نصوص هذا الشاعر المبدع ..

زراعته

لاقت زراعة الفل رواجاً كبيراً وإقبالاً كثيفاً من المزارعين نظراً لما يدره من دخل ٍ مغر ٍ عليهم ، حيث يصل سعره في أيام الشتاء إلى ما يزيد عن الألفين ريال للألف الحبة منه ، أما في أيام الصيف فهو يعطي دخلاً جيداً خاصة إذا تم تصديره إلى دول الجوار مثل السعودية  ، أو بيعه في مناطق أخرى داخل اليمن وخاصة في العاصمة صنعاء .

وفي مدينة الزيدية وهي إحدى المناطق التهامية التي تشتهر بزراعة الفل وتصديره إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة عبر الخط البري حيث يوجد بها سوق صباحي يروج فيه الفل ويتم تغذية المنطقة من خلاله ، التقينا أحد مزارعي الفل الذي حدثنا عن زراعة الفل وطريقة إنتاجه بشكل أفضل قائلاً : تبدأ زراعة الفل من بداية فصل الشتاء لكي يعطي أزهاره في فصل الربيع ، وشجرة الفل تعطي بشكل أفضل في الربيع والصيف ، أما بقية أيام السنة فتعطي بشكل أقل ، وتتم رعاية الشجرة ورشها بكمية قليلة جداً من المبيدات الحشرية لمكافحة الجراثيم لأنه إن زادت نسبة المبيدات فسيؤدي  ذلك إلى هلاك الشجرة .

 

 

وعن أسلوب الترويض الزراعي للشجرة يقول : عند بداية الإزهار يوقف عنها الماء لتتساقط الأوراق وتتهلهل منها لمدة شهر وبعد ذلك يعاد سقو الشجرة ، وبعد يومين أو ثلاثة يرش المزارع الشجرة بالسم أو المبيد الحشري ويعاود سقيها ليكون زهرها ذا حجم أكبر وشكل أفضل .

ويضيف بأن أفضل وقت لعملية جني أزهار الفل يبدأ من غبش الفجر حتى وقت الضحى قبل أن تفتش أزهارها لتقطف وهي عُجْمٌ كما يعبر أهل الخبرة على سبيل المجاز .

أما عن غرسه فيحدثنا صديقنا الأسمر الذي يعبق الفل من شجن حديثه عن علاقته معه فيقول : عندما يتم نقله كشتلات من مزرعة إلى أخرى فلا بد أن تكونا متقاربتين ، وتظل الشجرة تحت رعاية مكثفة لكي تعطي بطريقة أسرع ، أما إذا كانت المسافة بعيدة جداً ما بين المزرعتين فإنها تذبل أو يدركها الموات .

وعندما سألناه عن طريقة غرس الشجرة في المزرعة أجاب إجابة مقتضبة وكأنه لا يريد أن يحدثنا عن هذه الطريقة حتى لا يبوح بأسرار مهنته لنا قائلاً : يكون غرسها بطرق خاصة ولا بد أن تكون المسافة الفاصلة بين الشجرة والشجرة الأخرى لا تقل عن المترين .

ونود هنا أن نشير إلى أن العرب تسمي الشتاء ربيعاً والربيع صيفاً والصيف خريفاً والخريف شتاء كما يشير شهاب الدين النويري في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب.

التشكيلات الجمالية للفل

* الكبش

ينظم كعقد طويل على شكل طبقات دائرية متراصة بعضها فوق بعض ، كل طبقة مكونة من سبع زهرات فل ، ويعلق في رقبة لابسه متدلياً على الجهة الأمامية من الجسد ، ويتم أحياناً إدراج طبقات من زهرات بنفسجية ــ تسمى في جنوب تهامة ” الزنط ” ــ ضمن سلسلة طبقاته البيضاء ليكون نسقاً جمالياً أروع  ، وللكبش أطوال متعددة تختلف حسب رغبة لابسه إن كان قد تم الاتفاق مسبقاً على الحجم والطول والتشكيلات .

وتقول أم محمد أن ( الكبش ) الخاص بالعرسان يتخذ أشكالاً جمالية متعددة خاصة إذا تمت عملية الشك حسب رغبة أهل العريس فتكون زهرات الفل متراصة تراصاً ضيقاً جداً بدون ترك فراغات فيما بينها ومشدودة إلى بعضها البعض ، وقد يتم شكه على شكل طبقات بحيث يصبح الكبش الواحد كأنه ثلاثة كباش متعددة الأطوال .

* الهَمَش

هناك نوعان للهمش ، واحد يوضع في أعلى الرأس من الأمام والآخر يوضع على الجهة الخلفية من الرأس ، ولكل واحد منهما مواصفات خاصة . فالأول يكون ذا شكل نصف دائري وبشكل طبقات أيضاً قد تأخذ كل طبقة منها خمس زهرات ، وتتميز زهراته بأنها غير متفتحة وخيطه أكثر تماسكاً ليكون مشدوداً . أما النوع الثاني فتتكون طبقاته من ثلاث إلى أربع زهرات ولا يتطلب بقية الشروط التي يتطلبها النوع الأول .

* العكاوة

هي عدد من زهرات الفل المتراصة بشكل رأسي بعضها فوق بعض ويفصل ما بين الواحدة والأخرى بعقدة تعقدها النظّامة للخيط لتحدث شكلاً جمالياً خاصاً وفق نسق محدد يؤلف ما بين العقدات والزهرات ، ويمتد طول العكاوة إلى ما يقارب الذراعين ، أما طريقة استخدامها فإنها تدرج بشكل متداخل مع خصلات الشعر الأمامية من الرأس وتشكل تشكيلات عدة على شكل قلب أو بشكل دائري .

* المشهد

وينظم في شكل العكاوة إلا أنه يختلف عنها بعدم وجود عقدات في الخيط الذي يربط بين الزهرات ، ويكون طوله أقصر ويتم إدراجه بشكل متلاحم مع ضفائر الشعر من الخلف ليتدلى على ظهر الأنثى كنهر من العطر المتجمد .

* الشرديخة

هي أحدث تشكيلة أظهرتها ساحة الفن التشكيلي النسوي للفل وهي أكثر تشكيلاته أناقة ومباهاة بين النساء ؛ ربما لأنها تستهلك كمية أكثر من زهرات الفل وتتكون من مجموعة مشاهد مربوطة من الأعلى بخيط يجمعها ويتم إدراجها مع جميع شعر الرأس من الأمام إلى الخلف في تدلٍّ مع طول ضفائر المرأة ، وتعد العكاوة التي أسلفنا الحديث عنها آنفاً من مستلزمات التزين بالشرديخة .

مواقيت التزين به

ربما كان الفل ركناً من أركان الفرح في تهامة حيث تتزين به النساء في الأعراس والمناسبات وحفلات الولادة وأربعينياتها ، ويتوفر بشكل دائم في أيام عطائه الجم حيث ينتشر باعة الفل في الأسواق والشوارع الرئيسية حاملين عقود الفل متعددة الأحجام والتي تلاقي إقبالاً كبيراً من قبل الناس لما تحتله من مكانة مرموقة لديهم ولتعبيرها عن مشاعر المودة بين الناس إذ تعد من وسائل التعبير الصامت العميق عن أرقى المشاعر والأحاسيس من خلال لونه الأبيض الناصع رمز الصفاء والنقاء ورائحته الزكية الطيبة.

ويلبس الفل من وقت العصر إلى حين العودة من الحفلة غروباً ، ويبقى صامتاً حتى يبوح بأسراره من وقت العشاء حتى فجر اليوم التالي ليملأ أرجاء المكان عبقاً فواحاً ويمد بساط الألفة في هدءة الليل الجميل ، لذا فإنه يعد بريد المحبة بين أهلها . فالفل أوجد لنفسه حضوراً خلاقاً في المجتمع التهامي ولذلك لم يكتفِ بمظاهر الحياة التقليدية وحسب وإنما استشرى إلى المظاهر الحديثة وهجم على الساحة الأكاديمية حيث نجد كثيراً من خريجي الجامعات يعلقون كباش الفل بأعناقهم في حفلات التخرج كشكل مكمّل للفرحة أو دال ٍ عليها أو ربما يعد شيئاً كمالياً بل أصبح راء الكلمة في قاموس الحياة التهامية . 

منقول عن موقع أشياء 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الفُل .. لا يكتمل الفرح إلا به”

  1. الفل برائحتة الجميلة ولونة الرائع

    هو يعبر عن جمال الطبيعة ورونقها حقيقة

  2. عبدالعزيز عجلان قال:

    لأخ / محمد اليمني
    مشكور جداً على هذا الجهد الإعلامي والثقافي الذي يقدم مفردات ثقافتنا للآخر بشكل حديث ولائق … لكن أليس من الأمانة العلميةوالأدبية الأخلاقيةأن تنسب الموضوع الى كاتبه ؟؟؟؟… حيث وهذا الموضوع من كتاباتناالتي نشرت في الصحف وفي المواقع الإلكترونية…
    ولكم خالص التحايا
    عبدالعزيز عجلان



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر